الشيخ محمد الصادقي

40

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

246 - أَ لَمْ تَرَ بوحينا إِلَى الْمَلَإِ جماعة تملا العيون مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً إذ لم يجدوا فيه مؤهلات السلطة الزمية رغم كمال الجمع بينهما ، أم " مَلِكاً " ينوبه في السلطة العسكرية وهو قائد كافة القوات الروحية والزمنية نُقاتِلْ على ضوء قيادته الملكية فِي سَبِيلِ اللَّهِ فهو السلطة العسكرية دون ما سواها من سلطات هي برمتها حق الأنبياء قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا حيث يصعب عليكم بعد طلبه قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ من يقاتلنا وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا عنه جميعا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ . 247 - وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً حيث يحق للملك عند اللّه قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ كلنا ، لأنه أضعف حالا ومالا منا وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ حيث هو الذي يحقق الملك بالمآل قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ فيما يحق للملكية وكما تطلّبتم بعثه مني من اللّه ، ثم وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وهما الأصليتان من القوات الملكية وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ في رحمته عَلِيمٌ بمواردها ، فليست جدارة الملك كما تزعمون بل هي مربوطة بمن اصطفاه اللّه ، و " زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ " ملكيا ككل وفي " الْجِسْمِ " رهبة في صدور الكفار حتى يهابوه . 248 - وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ إضافة إلى آية وحيه تعالى لملكه أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ لعله صندوق الحفاظ لموسى الوليد في اليم وعصا هارون والمن ولوحي العهد فِيهِ سَكِينَةٌ لكم مِنْ رَبِّكُمْ كما كان لموسى ( ع ) كما وَ فيه بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ التابوت مع آية الوحي لَآيَةً واحدة فيما بعثنا من ملك لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بآيات اللّه . أجل ، فكما أن الملكية الروحية عن اللّه ، هي مما يصطفيها اللّه ، وكذلك الملكية الزمنية ، حيث تدير شؤون عباد اللّه ، ولا بد من جمعهما في الدعاة إلى اللّه ، أم وإذا انفصلا عن بعضهما البعض ، فالمفروض ترابط رباني على ضوء شرعة اللّه باصطفائه بينهما ، وكما كان داود وسليمان ملكين نبيين ، ونبيين ملكين ، ولا بد أن يتصادقا في هذا البين ، فلا الزهوة الملكية تكدّر جو القيادة الروحية ، ولا القيادة الروحية تنقص من القيادة الملكية . في زمن الوحي لا بد - إذا انفصلتا - أن يكون الملك الزمني تحت قيادة الملك الروحي مطلقا ، وفي تغيّب العصمة الطاهرة نسبيا - إذا - ف " العلماء حكام على الملوك ، والملوك حكام على الناس " و " السلطان ظل اللّه في الأرض يأوي إليه كل مظلوم " لأنه سلطان على الناس في سياسته العادلة ، كما العلماء سلاطين عليهم في القيادة الروحية ، وكلتاهما من اللّه .